لماذا نشعر أننا تغيّرنا؟



أحيانًا نتوقف فجأة ونسأل أنفسنا:
متى تغيّرنا؟

متى أصبحت أشياء كانت تعني لنا الكثير، تمر أمامنا دون أن تحرك فينا الشيء نفسه؟
ومتى أصبحنا نختار الصمت بدلًا من الشرح، والهدوء بدلًا من العتاب، والابتعاد بدلًا من محاولة إصلاح كل شيء؟

الغريب أننا غالبًا لا نشعر بالتغيّر وهو يحدث.

لا يأتي في يوم واحد، ولا يطرق بابنا ليخبرنا بأنه وصل.
يأتي بهدوء، مع موقفٍ مررنا به، أو تجربةٍ غيّرت نظرتنا، أو سنواتٍ جعلتنا نرى الحياة بعينٍ مختلفة.

نحن لا نستيقظ ذات صباح ونجد أنفسنا أشخاصًا آخرين…
لكننا نكتشف بعد وقتٍ طويل أننا لم نعد كما كنا.

قد نعود إلى مكان أحببناه يومًا، فنشعر أنه لم يعد يشبهنا.
وقد نلتقي بأشخاص كانوا قريبين من قلوبنا، ثم نتساءل كيف كنا نتحدث معهم بالساعات، بينما أصبح الصمت بينهم وبيننا طبيعيًا.

ليس لأنهم تغيّروا بالضرورة…
ربما لأننا نحن تغيّرنا.

ومع الوقت، نبدأ بفهم أشياء لم نكن نفهمها من قبل.

نعرف أن ليس كل نقاش يستحق أن نخوضه، وأن بعض العلاقات لا تحتاج نهاية كبيرة؛ يكفي أن نتوقف عن بذل الجهد في اتجاهٍ واحد.

نتعلم أن راحتنا ليست أن نكسب كل شيء، وأن النضج أحيانًا يكون في أن نترك بعض الأشياء تمر دون أن نمنحها من أعصابنا ووقتنا أكثر مما تستحق.

حتى الأشياء التي كانت تزعجنا كثيرًا، قد تصبح يومًا عادية.

ليس لأننا أصبحنا بلا مشاعر،
بل لأننا أصبحنا نعرف أين نضع مشاعرنا.

وهنا ربما تكمن أجمل صورة للتغيّر…

أن لا يصبح قلبنا أقسى، بل يصبح أكثر وعيًا بما يستحق أن يسكنه.

قد نظن أحيانًا أن تغيّرنا يعني أننا فقدنا جزءًا جميلًا من أنفسنا، لكن ليس كل تغيّر فقدًا.

بعض التغيّر نضج.
وبعضه وعي.
وبعضه مجرد نتيجة طبيعية لكل ما مررنا به.

فالإنسان لا يبقى كما كان، لأن الحياة نفسها لا تبقى كما كانت.

والنسخة القديمة منا لم تكن خاطئة…
كانت فقط تعرف الحياة بطريقة مختلفة.

وربما لهذا نشعر أحيانًا بالحنين إلى أنفسنا القديمة؛ ليس لأننا نريد العودة إليها، بل لأننا نتذكر بساطتها، وطريقتها في رؤية الأشياء، قبل أن نتعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح مهما طرقناها، وأن بعض الأشياء الجميلة لا تعني بالضرورة أنها ستبقى.

وفي النهاية…

لا تخف من أنك تغيّرت.

توقف قليلًا، وانظر إلى هذا التغيّر بهدوء.

ربما لم تفقد نفسك كما تظن…
ربما كنت فقط تتعرّف إلى نسخة جديدة منها، أكثر فهمًا، وأكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على اختيار ما يستحق أن يبقى.

— نبض الكلمات
نكتب لنلامس القلوب، لا لنملأ الصفحات. 🌿🤍


إرسال تعليق

0 تعليقات