هل الدموع راحة أم عذاب؟


لم نعرف يومًا أن خبرًا واحدًا يمكن أن يجعل الوقت يتوقف.

حين وصلنا خبر رحيل من نحب، لم نبكِ دائمًا.

أحيانًا كنا فقط نحدّق في الفراغ، وكأن عقولنا لم تستوعب ما سمعته آذاننا.

نسمع الخبر…

ثم ننتظر أن يأتي أحد ويقول:

لا، هناك خطأ.

هذا ليس حقيقيًا.

لكن لا أحد يأتي.

ويبدأ ذلك الشعور الغريب…

كأننا في حلم، ننتظر اللحظة التي سنستيقظ فيها ونكتشف أن كل شيء كان مجرد كابوس.

لكننا نستيقظ…

فنجد أن الحقيقة ما زالت هناك.

وأن الشخص الذي كان جزءًا من أيامنا، أصبح جزءًا من ذكرياتنا.

وهنا يبدأ نوع آخر من الفقد.

فقدٌ لا يحدث في لحظة الرحيل فقط، بل يتكرر في تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها أحد.

حين نريد أن نحكي له شيئًا، ثم نتذكر أنه لم يعد موجودًا.

حين نسمع شيئًا يذكرنا به.

حين نمر بمكان كان يجمعنا به.

حين يأتي يوم اعتدنا أن يكون حاضرًا فيه، فنشعر بغيابه أكثر من أي وقت آخر.

والأصعب…

أن الحياة لا تتوقف.

تشرق الشمس في اليوم التالي.

تتحرك الشوارع.

تعود الناس إلى أعمالها.

نضحك أحيانًا.

نتحدث.

ننشغل.

ونكمل.

ليس لأننا نسيناهم…

بل لأن الحياة لا تعرف كيف تتوقف من أجل حزننا.

وهذه واحدة من أكثر الأشياء التي تؤلم بعد الفقد:

أن العالم يستمر بشكل طبيعي جدًا، بينما داخلك ما زال واقفًا عند اللحظة التي رحلوا فيها.

يمر يوم.

ثم أسبوع.

ثم شهر.

وربما سنوات…

والناس من حولنا يظنون أننا تجاوزنا.

لكننا لم نتجاوزهم.

نحن فقط تعلمنا كيف نحمل غيابهم معنا دون أن نتحدث عنه كل يوم.

تعلمنا أن نعيش، لا أن ننسى.

وهناك فرق كبير بين الاثنين.

فالتجاوز لا يعني أن الشخص أصبح بلا مكان في قلوبنا.

والضحكة بعد الفقد لا تعني أننا توقفنا عن الاشتياق.

والانشغال لا يعني أننا نسينا.

أحيانًا نكون بخير فعلًا…

ثم تأتي لحظة صغيرة جدًا، تعيد إلينا كل شيء.

صوت.

رائحة.

مكان.

صورة.

دعاء.

وفجأة نشعر بذلك الفراغ من جديد.

وربما لهذا تكون الدموع أحيانًا أقرب شيء إلى الكلام.

نبكي لأن هناك أشياء لم نقلها.

وأشياء تمنينا لو حدثت مرة أخرى.

وأشخاصًا تمنينا لو أن العمر منحنا معهم وقتًا أطول.

لكن مع مرور الوقت، نتعلم شيئًا مؤلمًا وجميلًا في الوقت نفسه:

أن بعض الناس لا يبقون معنا بأجسادهم…

لكنهم يبقون فينا.

في طريقة كلامنا.

في ذكرياتنا.

في الدعوات التي نرفعها لهم دون أن يشعر بنا أحد.

وفي الأماكن التي كلما مررنا بها، تذكرنا أنهم كانوا هنا يومًا.

نحن لا ننسى من أحببناهم.

نحن فقط نتعلم كيف نعيش والحب والغياب يسكنان المكان نفسه.

ولهذا…

إذا كنت تشتاق لشخص رحل، فلا تظن أن استمرار حياتك يعني أنك خذلته.

اضحك.

عش.

خطط لغدك.

وفرح حين تأتيك لحظة فرح.

فالذين رحلوا لا يحتاجون منا أن نتوقف عن الحياة…

يكفي أن يبقى لهم مكان جميل في قلوبنا.

وأن نذكرهم بدعوة.

وأن نكمل الطريق ونحن نحمل أثرهم، لا وجعهم فقط.

رحم الله كل من سبقونا إلى دار الحق…

كل من تركوا خلفهم قلوبًا ما زالت تشتاق إليهم.

ولعل أجمل ما نستطيع فعله لمن رحلوا…

أن نعيش الحياة التي ما زالت بين أيدينا،
ونترك لهم في قلوبنا مكانًا لا يطاله النسيان.

فبعض الغياب لا يُشفى منه القلب…

لكنه يتعلم، مع الوقت، كيف يعيش معه.

— نبض الكلمات
نكتب لنلامس القلوب، لا لنملأ الصفحات. 🌿🤍


إرسال تعليق

0 تعليقات