متى أصبحنا نعتذر عن أشياء لم نفعلها؟
ومتى صار الدفاع عن أنفسنا يحتاج إلى شجاعة،
بينما الصمت يُسمّى أدبًا، والتحمّل يُسمّى قوة؟
ربما لا نعرف اللحظة التي بدأنا فيها نفعل ذلك.
لكننا نتذكر جيدًا شعورنا ونحن نقول: «آسفة»، بينما في داخلنا صوت صغير يهمس: أنا لم أخطئ.
اعتذرنا لأننا لم نرد أن نخسر أحدًا.
اعتذرنا لأننا كنا نخشى الكلام.
اعتذرنا لأننا اعتدنا أن نضع مشاعرنا جانبًا ونكمل الطريق،
حتى عندما كانت الأيام تثقلنا أكثر مما نظهر.
وأحيانًا…
اعتذرنا لأننا كنا نحتاج إلى شيءٍ ما،
فاخترنا أن نحتمل بدل أن نخسر.
ومع كثرة الاعتذار، يحدث شيء مؤلم…
نبدأ بالشك في أنفسنا.
نراجع كل موقف ألف مرة، ونبحث عن الخطأ
في كلماتنا، وفي نبرتنا، وفي ردود أفعالنا،
حتى عندما يكون الظلم واضحًا أمامنا.
نقول:
ربما أنا حساسة أكثر من اللازم.
ربما كان يجب أن أسكت.
ربما أنا السبب.
حتى يصبح الإنسان بارعًا في محاكمة نفسه…
ويصبح الآخرون معفيين من كل شيء.
لكن الحقيقة أن
((ليس كل صمت حكمة، وليس كل اعتذار دليلًا على الخطأ))
هناك أشخاص تعودوا أن يتنازلوا عن حقوقهم
حتى لا يخسروا من حولهم.
وهناك من يواصلون رغم كل شيء،
يحملون ما لا يُرى، ويبتسمون في الوقت الذي كانوا
فيه بحاجة إلى من يسألهم: أما زلت بخير؟
وهناك من يبقون في أماكن تؤلمهم
سنوات طويلة، ليس لأنهم ضعفاء…
بل لأنهم كانوا يحاولون النجاة بما يستطيعون.
ثم يأتي يوم…
يصل فيه الإنسان إلى تلك النقطة التي
لا يستطيع بعدها أن يقول: «سأتحمل أكثر.»
ليس لأنه أصبح أنانيًا.
وليس لأنه تغيّر.
بل لأنه تعب.
تعب من تبرير نفسه.
تعب من الاعتذار عن مشاعر لم يؤذِ بها أحدًا.
تعب من السكوت عن حقه حتى لا يُقال عنه
إنه صعب أو كثير الكلام.
وتعب من محاولة إرضاء أشخاص
لم يحاولوا يومًا أن يسألوا: هل أنت بخير؟
وعندما يرحل…
قد يسمع كلمات كثيرة:
كيف تترك؟
ماذا ستفعل بعد ذلك؟
أنت تحتاج هذا المكان.
لكن هناك سؤالًا أهم:
وماذا عن احتياجك أنت إلى نفسك؟
لا أحد يعرف كم مرة عدت إلى بيتك وأنت تحمل
في قلبك كلامًا لم تستطع قوله.
ولا أحد يعرف كم مرة ابتسمت وأنت من الداخل تتمنى فقط أن ينتهي اليوم.
لذلك، إذا وصلت يومًا إلى مرحلة
اخترت فيها نفسك بعد سنوات من اختيار الآخرين…
لا تعتذر.
أنت لا تهرب.
أنت لا تفشل.
أنت لا تتخلى بسهولة.
ربما أنت فقط أخيرًا فهمت أن
<< كرامتك ليست ثمنًا لأي شيء، وأن راحتك ليست رفاهية، وأن الصبر لا يعني أن تسمح للآخرين بأن يؤذوك إلى ما لا نهاية >>
وقد لا تستطيع تغيير ما حدث في الماضي.
لكن تستطيع أن تنظر إلى نفسك القديمة بعين أكثر رحمة، وتقول لها:
«كنت تحاول قدر استطاعتك… ولم تكن ضعيفًا. كنت فقط متعبًا.»
وإذا بقي في القلب شيء لم يستطع الزمن أن يمحوه، فاتركه لله.
فالله يرى ما لم يره الناس، ويعلم الكلمات
التي قيلت خلف الأبواب، والدموع التي لم يشاهدها أحد،
والحقوق التي سكت عنها أصحابها وهم بالكاد يملكون القدرة على الاستمرار.
وفي النهاية…
ليس كل من رحل خسر، وليس كل من بقي انتصر.
أحيانًا يكون الرحيل هو أول خطوة نحو حياةٍ لم نكن نعرف أننا نستحقها.
— نبض الكلمات
نكتب لنلامس القلوب، لا لنملأ الصفحات. 🌿🤍
0 تعليقات