كبرنا…
ولم نعد نملك تلك الطاقة التي كانت تجعلنا نشرح ما يؤلمنا، ونكرر ما أزعجنا، وننتظر من الآخرين أن يفهموا ما لم نستطع قوله.
كبرنا، وأصبحنا نعرف أن بعض العتاب لا يغيّر شيئًا، وأن بعض الأشخاص لو أحبّوا أن يفهمونا… لفهموا دون كل هذا الشرح.
في السابق كنا نعاتب لأننا نريد البقاء.
كنا نقول:
«لماذا فعلت ذلك؟»
«لماذا تغيّرت؟»
«ألم أكن مهمًا بما يكفي؟»
أما اليوم…
فقد نصمت.
ليس لأننا لم نتألم، بل لأننا تعبنا من شرح الألم لمن كان جزءًا منه.
كبرنا حين أدركنا أن كثرة العتاب لا تعيد قلبًا تغيّر، ولا تصلح علاقة أفسدها الإهمال،
ولا تجعل شخصًا يرى قيمتنا إن كان قد اعتاد وجودنا حتى أصبح يظنه أمرًا مضمونًا.
كبرنا حين أصبحنا نختار راحة قلوبنا على رغبتنا في أن ننتصر في نقاش.
وحين أصبح الصمت أرحم من ألف كلمة لا تصل.
وليس معنى أن نتوقف عن العتاب أننا لم نعد نهتم…
أحيانًا نحن نهتم أكثر مما ينبغي، ولهذا ننسحب.
ننسحب لأننا استنفدنا كل محاولاتنا، وقلنا كل ما كان يمكن قوله، ومنحنا فرصًا كثيرة، ثم اكتشفنا أن بعض العلاقات لا تحتاج فرصة جديدة… بل تحتاج نهاية هادئة.
هناك مرحلة في النضج لا نعود فيها نسأل:
«كيف أجعله يفهمني؟»
بل نسأل أنفسنا:
«لماذا أحتاج أصلًا أن أشرح لشخص يعرف أنه يؤذيني؟»
وهنا نفهم شيئًا مؤلمًا…
أن بعض الأشخاص لا يخسرونك لأنهم لم يعرفوا قيمتك، بل لأنهم عرفوها ولم يحافظوا عليها.
لذلك، لا تغضب من نفسك حين تجدها أقل عتابًا.
وربما لم يصبح قلبك أبرد…
ربما أصبح أهدأ.
وربما لم تفقد اهتمامك…
ربما تعلّمت أن تمنح اهتمامك لمن يعرف قيمته.
فالنضج ليس أن نتوقف عن الحب، ولا أن نصبح قساة، ولا أن نغادر كل من أخطأ في حقنا.
النضج أن نعرف متى نعطي فرصة، ومتى نعطي عذرًا، ومتى نعطي فرصة أخيرة…
ومتى نعطي أنفسنا حق الرحيل.
لأن بعض العلاقات لا تنتهي عندما نكره أصحابها…
بل عندما نتعب من محاولة إنقاذها وحدنا.
كبرنا…
ولهذا لم تعد كل الأشياء تستحق عتابًا.
وبعضها يستحق أن نتعلم منه، ثم نتركه خلفنا…
ونمضي بقلبٍ أكثر هدوءًا،
وأقل انتظارًا،
وأكثر معرفةً بقيمتنا.
— نبض الكلمات
نكتب لنلامس القلوب، لا لنملأ الصفحات. 🌿🤍
0 تعليقات